• ×

09:04 مساءً , السبت 28 جمادي الأول 1438 / 25 فبراير 2017

أَغِيثُوا أَهْلَنَا فِي سُورِيا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمدُ لله المتكفِّلِ بأرزاقِ العبادِ،الآمرِ خلقَهُ بالشُّكرِ له وكُلَّمَا شُكِرَ زادَ،يجزي الْمُتصدِّقينَ، ويَخْلِفُ على الْمُنفِقِينَ،نشهدُ ألَّا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له،ربٌّ عظيمٌ، كريمٌ جوادٌ ، ونشهد أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه النَّبِيُّ الأمينُ،والرَّسولُ الكريمُ، القائلُ: ( أَنْفِقْ بِلالُ, وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا).صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله وأصحابِه الذين كانوا يسارعونَ في الخيراتِ،ويؤثِرونَ على أنفسِهم ولو كان بهم خصاصةٌ،ومن يُوقَ شُحَّ نفسِه فأولئك هم المفلحون.أمَّا بعد: فاتَّقوا الله عبادَ الله؛فعندَ اللهِ للأتقياءِ المزيدُ،ولهم النَّجاةُ يومَ الوعيدِ. وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ أيُّها المُؤمِنُون:بينما الصَّحابةُ جلوسٌ حولَ رسولِ الله فِي صَدْرِ النَّهَارِ،كأنه بَدْرٌ أحاطت به النجومُ،إذْ جَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةُ الأقدامِ عُرَاةُ الأجسادِ مُجْتَابِيِّ النِّمَارِ أَوْ الْعَبَاءِ، على أحدِهم صُّوفٌ لم يَستُر بعضَ جَسَدِه مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ،دَفَعَهُم الجوعُ والفقرُ حتى قَدِموا على أَكْرَمِ الخَلْقِ،وَأَرحمِ الخلقِ بالخلقِ، فلما رآهم صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليه تَمَعَّرَ وَجْهُهُ وتغَيَّرَ،ثم دخلَ بيتَه وخرجَ مُضطربَ الحالِ,مَهمومَاً مَغموماً،فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ هنا انفرجت أساريرُه وهو يرى صحَابَتَهُ يشعرونَ بإخوانهم، ويهتمُّون لهم كالجسد الواحد,حِينَها قَالَ: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)
إنِّها الصدقةُ:شِعارُ الْمُتقينَ،ولواءُ الصَّالحينَ والْمُصلحينَ,إنِّها تجارةُ أهلِ الإيمانِ،ألمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .إنِّها تجارةٌ ربَّانيَّةٌ،وفوزٌ إلهيٌّ,أهلُها هم الرَّابحونَ حقًّا!وما لهم ألاَّ يَربَحُوا وقد باعوا أنفسَهُم وأموالَهم للهِ تعالى،والثمنُ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ .عباد الله:لقد كان نَبِيُّنا دائماً يُربِّي أصحابَه على الإنفاقِ والصَّدقةِ في سبيلِ الله،ويربطُهم بالآخرة ويُزَهِّدُهُمْ في الدُّنيا لأنَّ اللهَ تعالى يقول: قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ .يامؤمنون:إنَّ إخْوانَنَا في سُوريا لَفَّهُمُ الجوعُ والعوزُ,والبرْدُ والفَاقَةُ من كلِّ جانبٍ! وَأقْعَدَتُهُمُ الحُرُوبُ والهَجَمَاتُ والحِصَارَاتُ عن أي عملٍ! وكثيرٌ منَّا يتفرَّجُ سلباً عليهم ولم يفكر في حالِهم ومصيرِهم وكأنَّ الأمر لا يعنينا!أتدريِ أيُّها المؤمنُ:ما أعظمُ حافزٍ لك على الصَّدقةِ والإنفاقِ عليهم؟الجوابُ بأنَّكَ تُقرِضُ الغنيَّ الحميدَ،وأنَّكَ تَتَعامَلُ مع الرَّزَّاقِ المجيدِ القائِلِ: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ قال الشيخُ السَّعديُّ رحمه اللهُ:فأيُّ نَفقةٍ واجبةٍ،أو مُستحبةٍ،على قريبٍ،أو جارٍ،أو مسكينٍ،فاللهُ يُخْلِفُهُ فلا تَتَوَهَّمُوا أنَّ الإنفاقَ يُنَقِّصُ الرِّزقَ،بل وَعَدَ اللهُ بالْخُلفِ على الْمُنفقِ،فاطلبوا الرِّزقَ منه، واسعوا في الأسباب التي أمركم بها.ألم يقل رسولُنا : (ما مِن يومٍ يُصبح العبادُ فيه إلا مَلَكَانِ ينزِلانِ،فيقولُ أحدُهما:اللهمَّ أعطِ منفِقًا خلفًا،ويقول الآخر:اللهمَّ أعطِ مُمسكًا تلفًا)؟!الصدقةُ يا مؤمنون:سببٌ لِحُبِّ الرَّبِّ وهي كفَّارةٌ للذُّنوبِ والخطايا,والمُتَصَدِّقُ يتفيَّؤ في ظلِّ العرش،وَتَسْترُه صَدَقَتُه: (فسبعةٌ يظلِّهمُ الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه)منهم: (ورجلٌ تصدَّق بصدَقَةٍ فأخفاها،حتَّى لا تعلمَ شمالُه ما تنفقُ يمينُه)الصَّدقةُ تطهِّر النُّفوسَ وتزكِّيها، في الصَّدقة إدخالُ السُّرورِ على المساكينِ،وَقَدْ قالَ : (أفضل الأعمالِ أنْ تدخِلَ السُّرورَ على أخيكَ المؤمنِ،أو تقضيَ عنه دينًا،أو تُطعِمَهُ خبزًا). الصَّدقةُ تَغِيظُ الشَّيطانَ وتوجِبُ الغُفرانَ، ألم يقلِ المولى: ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ والصَّدَقةُ تُخلِّصُ المسلمَ من الشُّحِّ، إذ ليسَ من المروءَةِ أن نرى إخوانَنَا يَتضَوَّرونَ جوعًا وتفتِكُ به الحاجةُ،ثُمَّ لا تتحرَّكُ مشاعرُنا ولا تَهتزُّ عواطِفُنا!وأنتم تشاهدون حَاجَةَ إخْوانِنا في سوريا وكيف فَتَكَ بِهمُ الجوعُ وأهلكتهم الحربُ والحصارُ, ولا مُغيثَ لهم إلا اللهُ تعالى!فيامؤمنُ يا من أمدَّك اللهُ بالنِّعم والأموالِ والبنينِ: (أنفِق يُنفِقُ اللهُ عليك) (فما نَقصت صدقةٌ من مال). وقالَ رسولُ الله : (باكِروا بالصَّدقة، فإنَّ البلاءَ لا يتخطَّى الصَّدقةَ) وقال إنَّ صَدَقَةَ المسلمِ تزيدُ في العمُرِ،وتمنَعُ عنهُ ميتةَ السُّوءِ، ويُذهِبُ اللهُ بها الكبرَ والفقرَ)ولا تنسوا(أنَّ صنائِعَ المعروفِ تقِي مصارعَ السُّوء والآفاتِ والهَلَكات) بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا،وأستغفرُ الله لي ولكم فاستغفِروه، إنِّه هو الغفورُ الرَّحيمُ.

الخطبةُ الثانيةُ:

الحمد لله الذي وَعَدَ الْمُنفقينَ مَغفرَةً منه وفَضَلاً، يُعطي من يَشاءُ ويمنعُ حكمةً منه وعدلاً.نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له تعبُّداً لهُ ورِقَّاً،ونشهدُ أنَّ نبيَّنَا محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه،أكملُ الخلقِ جوداً وبِرَّاً,اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدِكَ ورسولِك محمدٍ،وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يوم الدِّينِ.أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ عبادَ اللهِ كم دُعينا إلى الصَّدقةِ لمشروعٍ إغاثيٍّ أو عملٍ دعويٍ أو نصرةٍ لإخوانِنِا هنا أو هناك، فيجلسُ أحدُنا يقلِّبُ الأعذارَ، ويقولُ فُقراءُ البلدِ أحوجُ، وما أدري أتصلُ لهمُ التَّبرعاتُ أم لا !؟ولاشكَّ أنَّ الصَّدقةَ على الفقير القريبِ صدقةٌ وصِلةٌ وأنَّ التَّثبُّتَ في تسليمِ الصَّدقةِ أمرٌ مُهِمٌّ ومطلوبٌ،ولكن لا تكن تلكَ أعذاراً تحجزُنا عن الصَّدقَةِ والبذل,فتمضي الأيام وتَتَعاقَبُ النَّكباتُ على إخوانِنا ولم نُخرج شيئاً!وَلَقدْ أطْلَقَ خادِمُ الحَرَمينِ الشَّريفينِ حَمْلَةً شَعبِيَّةً لإغَاثَةِ إخْوانِنا في سوريا وقد وَضَعْتُ لكم على أبوابِ الجامِعِ رَقْمَ الحسابِ فَكُنْ مِن المُنفِقِينَ المُبَادِرينَ.فأكرِم نفسَك بإكرامِ الفقراءِ وقضاءِ حوائجهم،واحفَظ مالَك بالإنفاقِ،يَقولُ عثمانُ بنُ عفَّانَ رضي الله عنه : (حُبِّب إليَّ من الدُّنيا ثلاثةٌ: إِشباعُ جائِعٍ وكسوَةُ العارِي وتلاوةُ القرآن).وخيرُ الإسلامِ: ( أن تُطعِمَ الطَّعامَ وتقرأُ السَّلامَ على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف) والغنيُّ الجشِع لا لنفسِه انتفَع، ولا لإخوانهِ نَفَعَ! وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وقد يسَّر اللهُ لنا في بلادِنا هَذِهِ الحَمْلَةِ الخيريَّةِ التي طَالمَا انتظَرْناها ,فتعاونوا معهم وضعوا ثِقتكم بهم فولاةُ أمورنا وفَّقهمُ اللهُ قد دعموهم وساندوهم فاقتدوا بهم ولا تلتفتوا إلى المغرضين والمحرِّضين والمشكِّكينَ فهؤلاء يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فاللهم لا تجعلِ الدٌّنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغَ عِلمِنا، ولا إلى النار مصيرنا،اللهم ألبسنا لباسَ التَّقوى،وألزمنا كلمةَ التَّقوى,وأدخلنا جنَّة المأوى,واجعلنا مِمَّن بَرَّ واتَّقى،وصدَّق بالحسنى فَيَسَّرتَهُ لليُسرى ،وجَنَّبتَهُ العُسْرَى.اللهم اجعلنا مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. اللهم ارحم ضعف إخواننا في كلِّ مكان,اللهم كن لهم ناصرا ومعينا ياربَّ العالمين,اللهم أعط مُنفقا خَلَفَا وأَعطِ مُمسِكَاً تَلَفَا,اللهم ألف بين قلوبِ المؤمنينَ ووحِّد صُفوفَهم واجمع كَلِمَتَهم وأصلح قادَتَهم وأهدهم سبل السَّلامِ,اللهم أدم علينا نعمةَ الأمنِ والأمان والرَّخاءِ والاستقرار ووفقنا لما تحبُّ وترضى يا رحمان اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبُّ وترضى وأعنهم على البرِّ والتقوى,اللهم رزقهم البطانة الصالحة الناصحة ياربَّ العالمين,اللهمْ انصر جُنُودَنا واحفظ حدُودَنا ورُدَّ كيدَ الأعداء في نحُورهم,انصر دينك وكتابك وسنةَ نبيكَ وعبادَكَ المؤمنين.رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ,عباد الله أذكروا الله العظيمَ يذكركم واشكروه على عمومِ نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 0  0  88
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:04 مساءً السبت 28 جمادي الأول 1438 / 25 فبراير 2017.