• ×

08:12 مساءً , الثلاثاء 18 محرم 1441 / 17 سبتمبر 2019

خطبة جمعة من إعداد الشيخ عبدالله الطريف 02--11-1429 بعنوان رعاية السجناء والمفرج عنهم وذويهم نظرة إسلامية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين له بإحسان وسلم تسليما كثيرا. أما بعد : يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا...

أيها الإخوة: فإن أوامر الله ونواهيه شرعت لمصلحة الفرد والمجتمع، وحفظ الضروريات الخمس؛ ذلك أنه لا يمكن العيش في ضل حياة كريمة إلا إذا توفر الحفاظ على هذه الضروريات، وتوفرت العقوبة لحمايتها، فلحفظ الدين قضاء الشرع بقتل الكافر المضل؛ وعقوبة المبتدع الداعي لبدعته؛ لأن هؤلاء يفوتون على الناس دينهم، ولحفظ النفس قضاء الشرع بإيقاع عقوبة القصاص، ولحفظ العقول قضاء الله بحد الشرب، ولحفظ النسل والأنساب قضاء الله بوجوب حد الزنا والقذف، ولحفظ المال الذي به معاش الناس أوجب الشرع حد السرقة، ولحفظ النظام العام أوجب الشرع حدَ قاطع الطريق، والتعزيرَ بأنواعه المتعددة.. وفي مشروعية الحدود كذلك رحمةٌ بالمجتمع لكي يعش آمناً مطمئناً، قال شيخ الإسلام: إن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله فينبغي أن يُعرفَ أن إقامة الحدودِ رحمةٌ من الله بعباده فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا إشفاء غيظه وإرادة العلو في الأرض... إ ـ هـ .

ثم إن في إقامة الحدود إقامةً للعدل بين الناس، حتى لا تُخَلَّ القيمُ وتُنْتَكَسُ المفاهيم. وفي إقامة الحدود أيضا إصلاح للجاني، وتطهيرٌ له من الذنب ليصبح عضواً نافعاً في المجتمع.. ومن هذه العقوبات المشروعة الحبس أو السجن. لقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على مشروعيه الحبس، وقد حبس الخلفاء الراشدون وابن الزبير والخلفاء والقضاة من بعدهم في جميع الأعصار والأمصار من غير إنكار، فكان ذلك إجماعاً.

أيها الإخوة: سنتحدث عن قضية السجن والسجناء من خلال عدد من المحاور. أولها: أن السجن عقوبة من العقوبات توقع على الجاني في الدنيا، والعقوبات كفارات لمن يقع منهم الخطأ، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا؛ وَلا تَزْنُوا؛ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ. رواه البخاري. وعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَعُجِّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ إِلَى شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ. رواه الترمذي وقال حسن غريب وأحمد وابن ماجة وصححه أحمد شاكر.

الثاني: إذا تقرر لدينا ذلك فيجب علينا أن نغير نظرتنا إلى السجين بعد خروجه من السجن ونعتبره كمن لا ذنب له، لأنه مذنب اخذ عقابه فتطهر بذلك، ويؤكد ذلك ، فعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا، فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى. رواه مسلم في صحيحه. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَلْعَنُوهُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.( أي الذي علمت أنه يحب الله ورسوله) رواه البخاري. قال بن حجر رحمه الله: وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الدُّعَاءِ عَلَى الْعَاصِي بِالإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّه كَاللَّعْنِ. وقال: وَفِيهِ أَنْ لا تَنَافِيَ بَيْن اِرْتِكَاب النَّهْي وَثُبُوت مَحَبَّة اللَّه وَرَسُوله فِي قَلْب الْمُرْتَكِب لأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه مَعَ وُجُود مَا صَدَرَ مِنْهُ . وَأَنَّ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْمَعْصِيَةُ لا تُنْزَعُ مِنْهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِه..

أيها الأحبة: ولا ندعو على الجاني فقد نهى عن ذلك رسول الله r، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: اضْرِبُوهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ؛ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ؛ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، فقَالَ رسول الله لا تَقُولُوا هَكَذَا لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ. رواه البخاري ، قال ابن حجر: وَوَجْهُ عَوْنِهِمْ الشَّيْطَانَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَان يُرِيدُ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْمَعْصِيَةَ أَنْ يَحْصُل لَهُ الْخِزْيُ فَإِذَا دَعَوْا عَلَيْهِ بِالْخِزْيِ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ حَصَّلُوا مَقْصُودَ الشَّيْطَان.

أيها الإخوة: السجن حبس للحرية كبير، ولا يعرف ذلك إلا من مر به أجارني الله وإياكم، وقد صوره أحدهم فقال:

الليل من حولي هدوء كامل ......... والذكريات تمور في وجداني

والصمت يقطعه رنين سلاسل ......... عبثت بهن أصابع السجان

وعلى الجدار الصلب نافذة بها......... معنى الحياة غليظة القضبان

ويهدني ألمي فأنشـــــــــــــــد راحتي .......... في بضع آيات من القرآن

يقول أحد المفرج عنهم: لم أصدق نفسي حينما علمت بنبأ العفو الذي صدر مؤخرا حتى أبلغني المسئولون... إلى أن قال: إنني لم أعرف قيمة الحياة إلا بعدما أدخلت خلف القضبان التي أعطتني درسا لن أنساه طوال حياتي، وخاصة أن العفو جاء في وقت أبنائي وأسرتي في أشد الحاجة إلي ووجودي بجانبهم، وكل ما أتمناه أن لا أعود إلى أخطائي السابقة، لقد قطعت وعدا على نفسي مع الله بأن أسير على الطريق الصحيح لبناء مستقبلي ومستقبل أبنائي فلذات كبدي ووالدتي فهي تنتظرني... وغير هذا كثير أبدوا أسفهم وندمهم ووعدوا بالاستقامة .... لكن هل سيكون المجتمع عوناً لهم...؟ إن الواقع الذي نعيشه أيها الأحبة: واقع مرير، ورفض شبه تام من كثير من أفراد المجتمع..! بل ربما من أقرب الناس إليه وهذا قد يكون سبباً جوهرياً لعودته إلى ماضيه المظلم وشلله الفاسدة .... حق علينا أهلٌ وجيران وأفردُ مجتمع أن نكون له عوناً على توبته بعدما طهره الله من الخطيئة ومن عليه بالتوبة... فإن لم نفعل فستتلقفهم أساطين الجريمة وعصابات التهريب وجلساء السوء، وكم من سجين خرج من السجن بتلك المشاعر الإيجابية، وهو يعاهد نفسه وربه أن يبدأ من جديد، ثم ويا للهول يفاجأ بسوء استقبال أقرب الناس إليه ونظراتهم وتنكرهم له وعدم قبوله، هذا إن لم يطردوه ويدعو عليه، لقد دلت الدراسات على نتائج سلبية كبيرة على نفسية المفرج عنهم، وأن أهم أسباب النكوص التي صرحوا بها عدم تقبلهم في مجتمعهم وخصوصا في المجتمعات الصغيرة، ولقد أحسنت وزارة الشئون الاجتماعية صنعا عندما قامت بتأسيس لجنة وطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم . والتي تهدف لمساعدة المفرج عنهم، وتقديم الخدمات المادية والمعنوية لأسرهم، وتذليل المشكلات التي تواجههم، وتساهم في تحسين بيئة الإصلاحيات والسجون، وبذل كل الأسباب لتهذيب النزلاء وإرشادهم. ونجاح هذه اللجنة مرهون بتعاون المجتمع معهم ومد يد العون لهم وتفهم دورهم وعدم نبذ السجين بعد خروجه بل استقطابه حتى يتماثل للاستقامة والانخراط في المجتمع.

أيها الإخوة: أنظروا كيف تعامل رسول الله r مع من وقع في الخطيئة ثم تاب منها وطهر. عن بريدة قَالَ جَاءَتْ امرأةُ غامدية إلى رسول الله r فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى قَالَ: أمَّا لا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: مَهْلاً يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. رواه مسلم فرضي الله عنها وأرضاها. عن بريدة رضي الله عنه: أن النَّاسُ كانوا فِيهِ - أي ماعز - فِرْقَتَيْنِ قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، - أي بعد رجمه - ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: فَقَالُوا غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ. رواه مسلم. فرضي الله عن ماعز بن مالك وأرضاه.... هذه نظرة الشرع الحكيم إلى الجناة بعد توبتهم وتطهيرهم. أسأل الله بمنه وكرمه أن يهدي ضال المسلمين ويعيدهم للجادة إنه جواد كريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين......

الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه وأشهد أن محمد عبده ورسوله المؤيد ببرهانه صلى الله عليه وأصحابه وإخوانه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد أيها الأحبة: المحور الأخير من هذا الحديث. اعلموا وفقني الله وإياكم لطاعته أن مسئولية الفرد عما يرتكبه من انحراف أو زلل إنما هي مسئولية فردية والله تعالى يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى. والعجب كل العجب هنا من حال المجتمع أفرادا ومؤسسات عندما يمتد العقاب إلى أسرة السجين وربما بدون قصد فيزداد الألم والمعاناة عليها وتصبح معاقبة بدون جريرة ــ أو ضحية بلا ذنب ـــ وكم من المآسي في هذا الباب. فكم من زوجة اليوم زوجها مع السجناء، ولها منه صبية صغار، وبيتهم بالإيجار، وهم يحيط بها بالليل والنهار، ضاقت عليها السبل فهل تذل نفسها وتطرق أبواب الأخيار ، أم تهلك نفسها وتسلك طريق الفجار... أحبتي اسمعوا هذه الرسالة من زوجة سجين بعثتها إليه قالت: لقد غيبك السجن، فكم سنة غبت عني آهـٍ .. لو ترى كيف ينظر الناس لي ولأولادك، ليتك تسمع ما يتناقله الناس عنا، لقد اجتمع عليَّ الهم والذل والفقر، ولا أدري ماذا أفعل.؟ من أين أطعم أولادك.؟ ليتك ترى كيف يعيشون.؟ ليتك ترى حالي وحالهم.؟ ليتك ترى حال صغارك.؟ آهـٍ ثم آهـْ.... فلست أدري؟! هل أخون أمانة الله وأمانتك، واطلب الرزق لهؤلاء بطرق محرمة؛ وأنا في ذمتك وعهدك؟ أم أطلب الطلاق فيضيع أولادك، فآهـٍ ماذا أفعل ....إلى آخر رسالتها الأليمة.... ولقد صور الشاعر تلك المعاناة بقوله:

يا ويح قلبي من سؤال لا أطيق له جواب؟

أين زوجي ؟ كيف غاب؟

وبمن أستظل متى تحركت الذئاب؟

ولمن أفر وقد تكاثرت الصعاب؟

وكيف أطرق أي باب؟

أأمد يدي للسرابِ أم الخراب؟

هَمَّ قلبي، دمع عيني، فكر ليلي في اضطراب!

أمنياتي بل حياتي في عذاب!

أين زوجي؟ كيف غاب؟

يا ويح قلبي من سؤال لا أطيق له جواب؟.

أيها الأحبة: نداء أخير مني لكل قلب رحيم، فلقد تشكلت لجنة رعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم بمحافظة عنيزة. بحمد الله وتوفيقه، وبدأت تزاول مهمتها. وهي بحاجة ماسة لدعمكم المادي والمعنوي، وقد أفتى سماحة المفتي العام بالمملكة حفظه الله تعالى بجواز دفع الزكاة لهذه اللجنة، فجودوا يجود الله عليكم. أسأل الله بمنه وكرمه أن يهدي ضال المسلمين، ويصلح شأنهم، ويعين القائمين على هذه اللجنة، ويجزيهم عن المسلمين كل خير، كما أسأله أن يوفق كل عامل في المجال الخيري أيا كانت جهته إنه جواد كريم..... عباد الله صلوا على الرحمة المهداة محمد بن عبد الله.....

بواسطة : admincp
 0  0  4.7K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:12 مساءً الثلاثاء 18 محرم 1441 / 17 سبتمبر 2019.