• ×

07:49 مساءً , الثلاثاء 18 محرم 1441 / 17 سبتمبر 2019

خُذُوا العِبْرَةَ مِن أَصْحَابِ الجَنَّةِ ( 1 ) 9/11/1440هـ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
خُذُوا العِبْرَةَ مِن أَصْحَابِ الجَنَّةِ ( 1 ) 9/11/1440هـ

الْحَمْدُ لِلَّـهِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ؛ يَبْتَلِي العِبَادَ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْعَافِيَةِ وَالْبَلَاءِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ القَائِلُ: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ). جَعَلَ الابْتِلَاءَاتِ في الدُّنْيَا مُكَفِّرَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَنْبِيهًا لِلْغَافِلِينَ، وَانْتِقَامًا مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ! وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ؛ أَجْوَدُ النَّاسِ , وَأَكْرَمُ النَّاسِ, دَعَانَا لِلْبَذْلِ وَالْإِيثَارِ, وَحَذَّرَنَا مِنْ البُخْلِ والإقْتَارِ, صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ القَرَارِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَأَقِيمُوا لَهُ دِينَكُمْ، وَلَا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِأَمْوَالِكُمْ؛ فَإِنْفَاقُهَا يَعُودُ عليكُمْ وَلَو بَعْدَ حِينٍ, (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَمَوْعِظَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا، وَهِدَايَةٌ لِمَنْ رَامَهَا. وَفِي الغَالِبِ تَرْتَكِزُ القَصَصُ عَلَى الْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ ، وَتُعْرِضُ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ وَتَفْصِيلَاتٍ لَا طَائِلَ مِن وَرائِهَا.

قِصَّتُنَا اليَومَ قِصَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ تُعَالِجُ الشُّحَّ والبُخْلَ، وَالتَّقْتِيرَ وَالْإِمْسَاكَ، كَمَا تُبَيِّنُ الْقِصَّةُ أَنَّ كَثْرَةَ المَالِ ابْتِلَاءٌ يُوجِبُ الشُّكْرَ والإنْفَاقَ، وَأَنَّ كُفْرَ نِعْمَةِ الرَّبِّ سَبَبٌ لِزَوَالِهَا. والغَرِيبُ في القِصَّةِ أنَّهَا نَزَلَتْ أَثْنَاءَ الدَّعْوَةِ المَكِّيَّةِ, قَبْلَ الْهِجْرَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلى أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ جَاءَ بِالْكَرَمِ وَالْبَذْلِ وَالْإِنْفَاقِ وَمُسَاعَدَةِ النَّاسِ فِي أَوَّلِ خِطَابَاتِهِ وَأيَّامِهِ؛ لِيُنَزِّهَ أَتْبَاعَهُ عَنِ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ وَالْأَثَرَةِ وَمَحَبَّةِ الذَّاتِ. مِنْ هُنَا نُدْرِكُ مَعْنَى قَولَ خَدِيجَةَ رَضِىَ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ:(أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لتَحْمِلُ الكَلَّ , وَتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ)
وَنُدْرِكُ كَذَلِكَ سِرَّ مُدَاوَمَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءِ على دُعَائِهِ: (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ).
فِي القِصَّةِ تَسْلِيةٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَحِينَمَا كَذَّبَتُهُ قُريشٌ ، وَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَليهِمْ بِمْبْعَثِهِ لَهُمْ، وَأَمَدَّهُمْ بِالنِّعَمِ والأَمْنِ, وَالمَالِ وَالجَاهِ, والْمَنْصِبِ وَالوَلَدِ وَالسِّيَادَةِ ، فَكَفَرُوا وَأَبَوا وَعَصَوا عَاقَبَهُمُ اللهُ وَعَذَّبَهُمْ كَمَا عَاقَبَ أصْحَابَ قِصَّتِنَا! وَهَذا المَثَلُ وَتِلْكَ القِصَّةُ التي ضَرَبَهَا اللهُ تَعَالَى لِكُفَّارِ قُرَيشٍ، هِيَ أَيضَاً لِكُلِّ إنْسَانٍ أَعْطَاهُ الله نِعَمًا مِن المَالَ، وَالوَلَدِ، وَالصِّحَّةِ، وَالعُمُرِ، والجَاهِ والمَنْصِبِ والسِّيَادَةِ, وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللهِ فِيهَا, وَأَنَّ عَذَابَ اللهِ لَهُ بِالمِرْصَادِ؛ وَسَيَحِلُّ بِهِ مَا حَلَّ بِأَصْحَابِ قِصَّتِنَا! فَمَا القِصَّةُ ؟ وَمَا سَبَبُ نُزُولِهَا ؟ وَمَنْهُم أَهْلُهَا ؟ وَمَا تَفَاصِيلُهَا؟ وَمَا العِبَرُ التِي فِيهَا؟
عِبَادَ اللهِ: على بَرَكَةِ اللهِ نَبْدَأُ, كَانَ مِنْ صَنَادِيدِ المُشْرِكِينَ، وَكِبَارِ قُرَيْشٍ، رَجُلٌ اسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالمَالِ وَالْوَلَدِ والجَاهِ والرِّيَاسَةِ، فَقَابَلَ ذَلِكَ بِالْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ، وسَبِّ القُرْآنِ وَأَنَّهُ سِحْرٌ يُؤثَرُ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (الآيَاتُ فِي سُورَةِ القَلَمِ! فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ كَفُورٌ جَحُودٌ، وَكَذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كُلُّهُمْ؛ يَصَدُّونَ عَنْ دِينِ, وَيُؤذُونَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَخْبِرْهُمْ يا مُحَمَّدُ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الجَنَّةِ التي يعْرِفُونَهَا وَمَا حَلَّ بِهَا وَأَهْلَهَا! وَأنَّ مَصِيرَ قُريشٍ سَيَكُونُ كَأصْحَابِ الجَنَّةِ!
أَعُوذُ باللهِ من الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ : (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ* إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ). وَالمُرَادُ بِالجَنَّةِ هُنَا البُستَانُ المُثْمِرُ المَلِيءُ بِأنْوَاعِ الثِّمَارِ الحُبُوبِ والخُضْرَواتِ, وَقَدْ كَانَ هَذا البُستَانُ لِرَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ وَلَهُ ثَلاثَةُ أبْنَاءٍ, وَلَكِنَّهُ كَانَ مُنْفِقَاً باذِلاً مِعْطَاءً, فُقُرَاءُ قَرْيَتِهِ لا يَكَادُونَ يُفَارِقُونَ بُسْتَانَهُ. وَقَدْ شَكَرَ اللهُ صَنِيعَهُ وَبَارَكَ لَهُ في رِزْقِهِ وَبُسْتَانِهِ.
اللهُ أَكْبَرُ عِبَادَ اللهِ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفَاً). فَجَاءَ قَدَرُ اللهِ تَعَالى وَمَاتَ الأَبُ الصَّالِحُ البَاذِلُ، وَآلَتِ الْجَنَّةُ إِلَى أَوْلَادِهِ,
وَسُبْحَانَ اللهِ: حَمَلَتِ جَنَّتُهُم بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِمْ مِن الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ حِمْلاً لَمْ يَرَوهُ مِن قَبْلُ! فَيَا تُرَى هَلْ شَكَروا وَأَنْفَقُوا ؟ أَمْ مَنَعُوا وَبَخِلُوا ؟ هَذَا مَا نَتَعَرَّفُ عليهِ بِإذْنِ اللهِ تَعَالى. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمينَ من كُلِّ ذَنْبٍ فاستَغْفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأعْلى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ التَّقِيُّ الأَزْكَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ , وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ.
إخْوَانِي الكِرَامُ: لَمَّا رَأَى الأبْنَاءُ الثَّلاثَةُ تِلْكَ النِّعَمِ, طَغَوا وبَغَوا، وَجَحَدُوا وَبَخِلُوا, وَقَالُوا: لَقَدْ كَانَ أَبُونَا أَحْمَقَ إِذْ كَيفَ يَصْرِفُ هَذِهِ لِلْفُقَرَاءِ؟! وَلَوْ أَنَّا مَنَعْنَاهُمْ لَتَوَفَّرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا.
{إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أَيْ: حَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَيَجُذُّنَ الثَّمَرَ لَيْلًا, لِئَلَّا يَعْلَمَ بِهِمْ فَقِيرٌ وَلَا سَائِلٌ، {وَلا يَسْتَثْنُونَ} فَأَتَوا بَقَسَمٍ آثِمٍ, وَحَلِفٍ على نِيَّةٍ فَاسِدَةٍ فِي لَيلَةٍ مُظْلِمَةٍ! وَأَنْ لَا يَسْتَثْنُوا شَيْئًا مِنَ الثَّمَرَةِ لِلْمَسَاكِينِ، بَلْ يَحُوزُونَهَا كُلَّهَا لَهُمْ! وَرَفَعُوا شِعَارًا: لا لِلفُقَرَاءِ بَعْدَ اليَومِ! وَنَسُوا أَنَّ اللهَ يَسمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ، وَأَنَّ اللهَ يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ. وَفِي أثْنَاءِ مُدَاوَلاتِهِمْ وَتَخْطِيطِهِمْ يَأتِي صَوتُ العَقْلِ والعَدْلِ والنُّصْحِ مِنْ أوسَطِ الإخْوَةِ: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أَيْ: أَعْدَلُهُمْ، وَأَحْسَنُهُمْ طَرِيقَةً (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ( نَزِّهُوا اللهَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَسِيرُوا على نَهْجِ أَبِينَا , وَلَكِنَّهُمْ صَمُّوا آذَانَهُمْ, وَأعْمَوا أبْصَارَهُمْ,
وَلَكُمْ عِبَادَ اللهِ: أَنْ تَتَصَوَّرُوا حَالَةَ الفُقَراءِ وَقَدْ اعْتَادُوا رِزْقَهُمُ مِن الأَبِ الصَّالِحِ, وَهُمْ يَطُوفُونَ حَولَ البُسْتَانِ وَيَنْتَظِرُونَ رِزْقَهُمُ، وَقَدْ مُنِعُوا مِنْهُ, فَيَا بُؤْسَهُمْ وَيَا عِظَمَ مُصِيبَتَهُمْ .حَقَّاً إنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ لَقَدْ بَاتُوا لَيلَتَهُمْ وَهَواجِسُ الطَّمَعِ تُحِيطُ بِهِمْ, وَخِطَطُ إبْلِيسَ تَأخُذُهُمْ كُلَّ مَأْخَذٍ! يَنْتَظِرُونَ انْبِلاجَ الصَّبَاحِ (لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ). نَعَمْ لَقَدْ جَاءَ الصَّبَاحُ ، وَلَكِنْ سَاءَ صَبَاحُهُمْ بَعْدَ أَنْ سَاءَ لَيلُهُمْ بِخُبْثِ نِيَّتِهِمْ وَعَزْمِهِمْ! لَقَدْ بَيَّتُوا الخُبْثَ والمَنْعَ وَنَامُوا، وَلَكِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَتَدْبِيرُهُ أَسْرَعَ مِنْ مَكْرِهِمْ، (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) فَتَحَوَّلَتِ الْجَنَّةُ مِنْ خَضْرَاءَ يَانِعَةٍ بِالثَّمَارِ إِلَى سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ مَلْأَى بِالْحُطَامِ. لَقَدْ أَحْرَقَهَا طَائِفُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي اللَّيْلِ
فَعَاجَلَتْهُمُ الْعُقُوبَةُ قَبْلَ أَنْ يُنَفِّذُوا خُطَّتَهُمْ، وَيَمْنَعُوا المَسَاكِينَ حَقَّهُمْ. لَقَدْ نَزَلَ عليها عَذَابُ اللهِ وَسَخَطُهُ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ, كَالَّليلِ الأَسْوَدِ المُظْلِمِ فِي احْتِرَاقِهَا، ذَهَبَتِ الأَشْجَارُ وَالثِّمَارُ كَالبُسْتَانِ الذي قُطِعَ ثَمَرُهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيءٌ! وَالأَبْنَاءُ الثَّلاثَةُ فِي سُبَاتٍ يَغُطُّونَ, وَفِي مَضَاجِعِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ، وَصَدَقَ اللهُ: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) .لقَدْ انْبَلَجَ الصُّبْحُ (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ* أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ). فَسَارُوا فِي أَوَّلِهِ فِي وَقْتِ الظُّلْمَةِ والغَلَسِ مُبَكِّرِينَ يُذَكِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لِأَدَاءِ مَهِمَّتِهِمْ، وَتَنْفِيذِ مُؤَامَرَتِهِمْ! بِحِرْمَانَ الفُقَرَاءِ، فَمَا أَبْشَعَهَا مِنْ جَرِيمَةٍ، وَأَسْوَأَهَا مِنْ نِيَّةٍ. انْطَلَقُوا فِي خُفُوتٍ حتى لا يَسْمَعُهُمْ أَحَدٌ فَيَلْحَقُ بِهِمْ، لِيَجْنُوا الثَّمَرَ كُلَّهُ لَهُمْ،

(وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ( أَيْ: قَاصِدِينَ وَجَادِّينَ عَلَى إِمْسَاكٍ وَمَنْعٍ لِحَقِّ اللَّـهِ تَعَالَى، وَفِيهِمْ غَيظٌ، وَحَنَقٌ، على الفُقَراءِ والمُعْوِزِينَ, وَهَذِهِ مِنْ خَصَائِصِ أَهْلِ النُّفُوسِ المَرِيضَةِ المَمْلُؤَةِ حَسَدَاً وَحِقْدَاً.
انْطَلَقُوا مِنْ مَنْزِلِهِمْ وَأَخَذُوا طَرِيقَهُمُ المُعْتَادُ إِلَى جَنَّتِهِمْ حَتَّى بَلَغُوهَا، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهَا كَمَا تَرَكُوهَا، وَلَمْ يَعْرِفُوهَا كَمَا عَهِدُوهَا؛ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ في وُجُوهِ بَعْضٍ وَهُمْ وُجُومٌ مُسْتَغْرِبُونَ مَصْدُومُونَ! فَجَزَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا طَرِيقَ بُسْتَانِهِمْ! وَلَكِنَّهَا تَسْلِيَةُ المَفَالِيسِ (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ). وَلَكِنْ كَيْفَ يَضِلُّونَ طَرِيقَاً قَدْ عَرَفُوهُ وَاعْتَادُوهُ؟! فَلَمَّا تَحَقَّقُوا أَنَّ الْبُسْتَانَ المُحْتَرِقَ المُدَمَّرَ هُوَ بُسْتَانُهُمْ؛ ثَابُوا إِلَى رُشْدِهِمْ، وَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ عُقُولُهُمْ قَالُوا:) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(. حِينَئِذٍ عَرَفُوا أَنَّ عُقُوبَةَ اللهِ نَزَلَتْ بِهِمْ، وَكَانَتْ أَسْرَعَ إِلَى بُسْتَانِهِمْ مِنْهُمْ. فَحَرَمَهُمْ رَبُّ العَالَمِينَ, رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَالمُعْوِزِينَ. حَقَّاً كَمَا قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).
حينَهَا نَطَقَ صَوتُ النُّصْحِ والتَّذْكِيرِ, (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ). ألا تَتَذَكَّرُونَ نُصْحِي وَتَذْكِيرِي لَكُمْ؟ ولا تَسْتَغْرِبُوا يا مُؤمِنُونَ: فَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الشَّرِّ كَمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي الخَيرِ، فَأَخَاهُمْ هَذَا أَحْسَنُهُمْ حَالاً , وَأَقَلُّهُمْ سُوَءًا، يَقُولُ لَهُمُ: فَهَّلا سَبَّحْتُمُ اللهَ، وَشَكَرْتُمُوهُ بِإعْطَاءِ الفُقَرَاءِ والمُعْوِزِينَ، وَهَلاَّ تَذَكَّرْتُمْ وَتُبْتُم إلى رَبِّكُمْ ؟ فَمَا حَالُ الإخْوَةِ بَعْدَ هَولِ مَا رَأوا؟ وَهَلْ انْتَهَتْ فُصُولُ قِصَّتِنَا؟ وَمَا الدُّرُوسُ والعِبَرُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ؟ سَيَكُونُ لَنَا بِإذْنِ اللهِ تَعَالى وَقْفَةٌ أُخْرى.
فَاحْرِصُوا عِبَادَ اللهِ، عَلى الانْتِفَاعِ بِقَصَصِ القُرْآنِ الحَكِيمِ, فَالَّلهُمَّ انْفَعْنَا وَارْفَعْنَا بالقُرآنِ العَظيمِ, ارزقْنَا فيه حُسْنَ القَولِ والعَمَلِ, الَّلهُمَّ أَعزَّ الإسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ وَأَذَلَ الشَّركَ والمُشْرِكِينَ وَدَمِّر أَعدَاءَ الدَّينِ وَانْصُر عِبَادَكَ المُوحِّدِينَ. الَّلهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا وَاحفظْ بِلادَنَا وَحُدُودَنَا وَبلادَ المُسْلِمِينَ, الَّلهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِ اليَهودِ وَالنَّصارى وَالرَّافِضَةِ الحَاقِدِينَ وَنَعوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ, الَّلهم اجعَلْ بَأْسَهُم بَينَهُم شَدِيدَاً, وَشَتِّتْ شَملَهم وَأَنْزِل بِهم بَأسَكَ الذي لا يُردُّ عن القَومِ الظّالِمِينَ, اللهمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا وَأَصْلِح وَلاةَ أُمُورِنَا, وَسَدِّدْ أَقوَالَهُم وَأَفعَالَهُمْ, رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ الَّلهُمَّ زِدْنَا مِن الإيمَانِ وَلا تَنْقُصْنَا, وَأَكْرِمْنَا بِطَاعَتِكَ وَلا تُهِنَّا, ولا تُؤاخِذْنا بِما كَسَبْنَا ولا بِمَا فَعَل السُّفَهاءُ مِنَّا, الَّلهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن البَلاءِ وَالوَبَاءِ وَالزِّنَا, وَالزَّلازِلِ وَالفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنْ. اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 0  0  232
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:49 مساءً الثلاثاء 18 محرم 1441 / 17 سبتمبر 2019.