في رِحَابِ سَيِّدِ الاسْتِغْفَارِ 11/8/1447هـ
الحمدُ لله الحليمِ الغفَّارِ، غَافِرِ الذُّنُوبِ وَسَاتِرِ الأَوزَارِ، لا تَضرُّهُ الْمَعاصِي وَإنْ عَظُمَت، فَهُوَ العَزِيزُ القَهَّارُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ). وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ الْمُنِيبُ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وأُصحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ مِنهُمْ والأَنْصَارِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الَّليلُ والنَّهَارُ. أمَّا بعد: فَاتًّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوى واعلَمُوا أَنَّهُ لا غِنى لَنَا عَنْ رَحْمةِ اللهِ وَعَفْوهِ وَمَغْفِرَتِهِ طَرْفَةَ عَينٍ فَأَكْثِرُوا مِنَ الاسْتِغْفَارِ وَجَدِّدُوا التَّوبَةَ بِالَّليلِ والنَّهَارِ. (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
عِبَادَ اللهِ: نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَريصٌ علينا بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ لِذا كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ وَأُمَّتَهُ أَشْرَفَ أَنْوَاعِ الاسْتِغْفَارِ وَأَحَبَّهُ إلى اللهِ تَعَالَى وَأَفْضَلَهُ، وَأَكْثَرَهُ ثَوابًا، وَأَرْجَاهُ بِالقَبولِ؛ وَسَمَّاهُ سَيِّدَ الاسْتِغْفَارِ، لأنَّه جامِعٌ لِمَعانِي التَّوبةِ كُلِّها، وَلأَنَّ مَنْ قَالَهُ مُوقِنًا بِهِ، فَمَاتَ في يَومِهِ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيِ؛ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؛ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» رواه البخاري. عِبَادَ اللهِ: هَذا الذِّكْرُ ذِرْوَةُ سَنَامِ الاسْتِغْفَارِ؛ لأنَّهُ جَامِعٌ لِمَعَانِي التَّذَلًّلِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّوبَةِ للهِ تَعَالَى. فَقُولُوهُ وَرَدِّدُوهُ صَبَاحًا وَمَسَاءً وَاحْفَظُوهُ وَحَفِّظُوهُ أَولادَكُمْ حَتَّى تَنَالُوا أَجْرَهُ وَخَيرَهُ وَبَرَكَتَهُ.
عِبَادَ اللهِ: وَسَبَبُ أَفْضَلِيَّتِه وَسِيَادَتِهِ على غَيرِهِ مِن صِيَغِ الاسْتِغْفَارِ: لأَنَّ العَبْدَ بَدَأَ فِيه بِالثَّنَاءِ على اللهِ تَعَالى، وَالاعْتِرَافِ بِرُبِوبِيَّةِ اللهِ وَإِلهِيَّتِهِ وَتَوحِيدِهِ، والاعترافِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، الذي أَنْشَأَهُ مِنَ الْعَدَمِ، وَأَنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِ رَبِّهِ، فَلا مَهْرَبَ لَهُ مِنْهُ، وَلا وَلِيَّ لَهُ سِوَاهُ! فأنتَ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ.
أَيُّهَا الْمُؤمِنُ: إنَّكَ فِي دُعَائِكَ هَذَا تَقُولُ: (وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْت)ومَعْناه: وَأَنَا يَا رَبُّ عَلَى مَا عَاهَدْتُكَ عَلَيهِ، وَوَاعَدْتُكَ بِهِ مِنَ الإيمانِ بكَ، وإخْلاصِ الطَّاعةِ لَكَ. مُؤمِنًا بِقَولِكَ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ). وَبِقَولِ نَبيِّنَا صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وسلَّم: «مَن ماتَ لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا دخَلَ الجَنةَ»، وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِنَا أَنَّ الالْتِزَامَ بِأَوَامِر الدِّينِ وَنَواهِيهِ مُحَاطَةٌ بِالقُدرةِ والاستطاعةِ، وفي هذا إقرارٌ من الْعَبْدِ بضَعْفِه وحاجتِه لتَوفيقِ مَوْلَاهُ مِنْ جِهَةٍ؛ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرى أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ الْخَطَأُ والذَّنْبُّ وّالْغَفْلَةُ والتَّقْصِيرُ وَلِذَ رَحِمَنَا اللهُ بِقَولِهِ: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). وَحِينَ يُرَدِّدُ الْعَبْدَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) يَقُولُ الرَّبُّ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ: (قَدْ فَعَلْتُ) فَينبَغِي لِكُلِّ مؤمنٍ أنْ يَدْعُوَ اللهَ أَنْ يَتَوَفَّاهُ عَلى الإِيِمانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
عِبَادَ اللهِ: اعلموا يَقِينًا أنَّهُ لا أحدَ يَقْدِرُ على الإتْيَانِ بِجَمِيعِ مَا للهِ تَعَالى مِنْ أَوَامِرَ، أَو يَجْتَنِبَ مَا عَلَيهِ منْ نَوَاهِيَ. وَلا أَن يَفِيَ بِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَلا أَنْ يُؤدِّيَ شُكْرَ جَمِيع النِّعم؛ لأنَّهَا كثيرةٌ لا تُحْصَى، قَالَ اللهُ تَعَالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). فمَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُؤدِّى شُكْرَ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ، فَكيفَ بِالبَاطِنَةِ؟ لِذَ عَلينا أَنْ نُكْثِرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ عَنْ كُلِّ خَللٍ وَتَقْصِيرٍ. فَالَّلهُمَّ أَعِنَّا على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
يا عَبْدَ اللهِ: إنَّكَ فِي دُعَائِكَ بِسَيِّدِ الاسْتِغْفَارِ تَقُولُ: (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ). فَتَحتمِي وَتَلْتَجئُ بِاللهِ فلا عَاصِمَ مِنَ الْمَعَاصِي إلا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ وَأَبْعَدَهُ، فَكُلُّنَا ذُو خَطأٍ وَتَقْصِيرٍ. لِذا أَمَرَنَا رَبُّنَا دَومًا بِالتَّوبَةِ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ). وَمِنْ صِفَاتِ الْمُؤمِنِينَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ عَنْهُمْ بِقَولِهِ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
فَالْعَبْدُ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّ مَا صَنَعَ؛ فإنَّ الإنسانَ إِمَّا أَنْ يَصْنَعَ خيرًا يُثابُ عَليهِ، أَو شَرًا يُعاقَبُ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ).
عِبَادَ اللهِ: وَمِنْ تَمَامِ التَّذَلُّلِ للهِ تَعَالى أَنَّكَ تَقُولُ: (أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي .(فَإنَّك تُقِرُّ وَتَعترِفُ بِنِعَمِ اللهِ العَظِيمَةِ عَليكَ فَتَطْلُبُ مِنْهُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ على التَّقْصِيرِ فِي أَدَاءِ حَقِّهَا فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ. فَأفضلُ أنواعِ الاسْتِغْفَارِ: أنْ يَبدَأَ العبدُ بِالثَّنَاءِ على رَبِّهِ، ثُمَّ يَعْتَرِفُ بِذَنِّبِهِ، ثُمَّ يَسألُ اللهَ تَعَالى الْمَغْفِرِةَ والْسَّتْرَ والتَّجَاوزَ. (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).
فاللهمَّ وَفِّقْنَا لِلتَّوبَةِ الصَّادِقَةِ النَّصُوحِ، تَوبَةً تَمْحُوا بِها الأَوزَارَ، وَنَرْقَي بِها مَنَازلَ الأَبَرَارِ، يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ. أقول ما تَسمعونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي وَلَكُمْ وَلِسَائِر المُسلمينَ مِن كلِّ ذَنبِّ وَخَطيئَةْ، فَاستغِفُرُوه إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ على نِعمَةَ الإسْلامِ وَالايمَانِ، أَشهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ الْعَفُّو الْمَنَّانُ. وَأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ, الَّلهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ. أمَّا بعد: فَاتَّقُوا اللهَ يَا مُؤمِنُونَ وَاسْتِغْفِرُوهُ، يا كثيرَ العفوِ عمَّن كَثُرَ الذَّنبُّ لَدَيهِ، جاءَك الْمُذنِبُ يَرجو الصَّفحَ عن جُرمٍ لَدَيهِ. أَنَا ضَيْفٌ وَجَزَاءُ الضَيفِ إِحسَانٌ إِليهِ. نَحْنُ يَا مُؤمِنُونَ نَتَعَامَلُ مَعَ رَبٍّ كَرِيمٍ رَحَيمٍ سِتِّيرٍ يُحُبُّ الْصَّفْحَ والْعَفْوَ عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤُمِنِينَ.
فَأَيُّهَا الْمُسْلِمُ: احرص على حِفْظِ سَيِّدِ الاسْتِغْفَارِ؛ لأنَّهُ حَافِظٌ لَكَ بِإذْنِ اللهِ، بَلْ إنَّ نَبِيَّنَا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم بَشَّرَنَا فَقَالَ: (مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ؛ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؛ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة). فمَنْ قَالَهُ مُخلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، مُقِنًا بِثَوَابِهِ، فَمَاتَ في يَومِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. أْيُّ فَضْلٍ أَعَدَّهُ اللهُ لِلمُؤمِنينَ حَقَّا: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ). (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) عِبَادَ اللهِ: تَأَمَّلُوا مَا رَواهُ الْبُخَاريُّ وَمُسْلِمٌ رَحِمَهُمَا اللهُ عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: (إنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ). فَأَكْثِرُوا مِنَ التَّوبَةِ والاسْتِغْفَارِ فَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: (طُوبى لِمَنْ وُجِدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا). فَاسْتَغْفِرُوا لأَنْفُسِكُمْ وَوَالِدِيكُمْ وَذَرَارِيكُمْ فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: )إنَّ اللهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلعبدِ الصَّالحِ في الجنةِ فَيقُولُ يَا رَبِّ مِنْ أَينَ لي هذا؟ فَيَقُولُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ).
يَا مُؤمِنُونَ: الاسْتِغْفَارُ نِعْمَةٌ مِنَ الغَفَّارِ، فَمَنْ دَاوَمَ عَليهِ وَجَدَ أَثَرَهُ في نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَجَميعِ شَأْنِهِ، وَلا يَعْرِفُ بَرْدَ الْمَغْفِرَةِ إلَّا مَن اكْتَوَىَ بِنَارِ الْمَعْصِيَةِ. مَنْ عَرَفَ شُؤمَ الْمَعَاصِيَ عَرَفَ قِيمَةَ الاسْتِغْفَارِ. لأَنَّ الْمَعَاصِيَ تُورِثُ الْحِرْمَانَ، وَأَشَدُّ الْحِرْمَانِ، حِرْمَانُ العِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ! قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ( مَنْ أَدَامَ الاسْتِغْفَارَ فُتِحَتْ لَهُ الأَبْوَابُ الْمُقْفَلَةُ).
يَا مُؤمِنُونَ: مِنَ الآنَ نَسْتَعِدُ لِرَمَضَانَ فَقَدْ قَرُبَتْ وَهَبَّتْ رِيَاحُ الإيمانِ, فَكُلُّنا رَجَاءٌ أنْ يَهَبَنا اللهُ مِنْ واسِعِ رَحمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ. فَقَد أَثقَلَتْنا ذُنُوبُنا وَغَلَبت عَلينا شِقْوتُنا، فَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ لا تَجْعَلْنَا عن بَابِكَ مَطرُودِينَ، ولا مِن فَضلِكَ مَحرُومِينَ, آمنَّا بقَولِكَ:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وبِقَولِكَ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: « يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي». فَأبْشِرُوا فَمَن أَرَادَ صِيامَاً مَقْبُولاً فعَلَيهِ أَنْ يَتَطهَّر مِن أَدْرَانِ الذُّنوبِ وَأَنْ يَغسِلَ قَلبَهُ مِن أَوحَالِ الْمَعَاصيَ مِنَ الآنَ. فَالحمدُ للهِ القَائِلِ:(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا). فاللهم ارْزُقنا الإنَابَةَ إليكَ، والتَّوبَةَ مِن مَعَاصِيكَ، اللهمَّ أَلْهِمْنَا رُشْدَنَا وَقِنَا شُرورَ أنفُسَنَا، اللهمَّ اغفر زلَّاتِنا, وأَمِّن رَوعَاتِنَا، وَاسْتُر عَورَاتِنَا، اللهم أعزَّ الإسلامَ والْمسلمين، وأذِلَّ الشِّرك والْمشركينَ، ودمِّر أعداءَك أعداءَ الدِّينِ. اللهم وفِّق ولاةَ أمورنا لِمَا تُحبُّ وترضى وأعنهم على البرِّ والتقوى. وَاجْزِهِمْ خَيرًا على خِدْمَةِ الإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ، اللهم انصُرْ جُنُودَنا واحفظ حُدُودَنا والْمُسلِمِينَ أجمَعينَ. اللهم اغفر لنا ولِوالِدينا والمُسلمينَ أجمعينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعلمُ مَا تَصْنَعونُ.



