• ×

03:54 مساءً , الأربعاء 6 شوال 1447 / 25 مارس 2026

(إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) 8/10/1447هـ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
(إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) 8/10/1447هـ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مُؤَمِنُ مَنْ خَافَهُ، وَمُعْطِي مَنْ رَجَاهُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ, لا رَبَّ لَنَا سِوَاهُ، وَعَدَ مَنْ أَطَاعَهُ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ، وَتَوَّعَدَ مَنْ عَصَاهُ بِأَلِيمِ العِقَابِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، خَيرُ مَنْ عَبَدَ رَبَّهُ وَأَنَابَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلى جَمِيعِ الآلِ وَالأَصْحَابِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَافْرَحُوا بِأَنْ أَتَمَّ اللهُ عَليكُمْ شَهْرَ الصِّيَامِ والْقِيَامِ، وَأَتْمَمْتُمْ صِيَامَ الْسِّتِّ مِن شَوالَ. حَقًّا: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
عِبَادَ اللهِ: مَا إنْ يَنْتَهِي مَوسِمُ عِبَادَةٍ إلاَّ والنَّاسُ فِيهِ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ! فَقِسْمٌ: مُتَشَائِمٌ قَانِطٌ قَدَ ضَيَّقَ عَلى نَفْسِهِ والآخَرِينَ رَحْمَتَ اللهِ وَكَرَمَهُ وَجُودَهُ! فَدَائِمًا يُرَدِّدُ: مَا نَدْرِي هَلْ قُبِلَتْ أَعْمَالُنَا؟ أَو يَقُولُ: لا تَفْرَحُوا فَالْقَبُولُ عِنْدَ اللهَ! أو عِبَارَاتٍ تُشْعِرُكَ بِاليَأْسِ وَالْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ! وَبِسُوءِ ظَّنٍ بِسَعَةِ رَحْمَتِ اللهِ وَكَرَمَهِ وَجُودِهِ!
وَقِسْمٌ آخَرُ: يَمُنُّ عَلى اللهِ تَعَالى بِأَعْمَالٍ قَامَ بِهَا! مِنْ صِلاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةْ وَغيرِهَا، وَكأَنَّهُ عَمِلَ كُلَّ مَطْلُوبٍ مِنْهُ! فَكَأَنَّهُ يَمُنُّ عَلى اللهِ سُبْحَانَهُ بِأَعْمَالِهِ! فَيَعودُ لِمَعاصِيهِ اتِّكَاءً عَلى حَسَنَاتٍ جَمَعَهَا!
أَمَّا الْقِسْمُ الْوَسَطُ النَّاجِي: فَهُوَ مَن جَمَعَ بَعِبَادَتِهِ بَينَ الْخوفِ والرَّجَاءِ. كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا). أي اعْبُدُوهُ خَائِفِينَ مِن عَذَابِهِ، طَامِعِينَ بِرَحمَتِهِ وَثَوَابِهِ. وَقَدْ وَصَفَ الْمُؤمِنِينَ بِأَنَّهُمْ:{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}.وَلَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ». وَقَالَ سُفْيَانُ رَحِمَهُ اللهُ: " وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، ثُمَّ تَلَا (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ). (وَمَنْ يَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ).
عِبَادَ اللهِ: كَثيرٌ من النَّاسِ يَعْتَنُونَ بِإصْلاحِ عِبَادَاتِهِمُ الظَّاهِرَةُ؛ وَيحرِصُونَ على إصَابَةِ السُّنَّةِ، وَهذا فِعْلٌ حَسَنٌ، يحُمَدُونَ عَليهِ، وَلَكِنْ هُنَاكَ مَا هُوَ أَهَمُّ وَأَشْرَفُ، ألا وَهُوَ العِبَادَاتُ القْلْبِيَّةُ، التي هِيَ أَصْلُ التَدَيُّنِ وَالتَّعْبُّدِ للهِ رَبَّ العَالَمِينَ. كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ: «الإِسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ، التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». وَفي الْأَثَرِ مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.
يَا مُؤمِنُونَ: مِنْ أَجَلِّ أَعْمَالِ القُلُوبِ الخوفُ مِنَ اللهُ وَرَجَاءُ مَا عِنْدَ الله. وَحَقِيقَةُ الخَوفِ مِنَ اللهِ يَكُونُ: بِالْكَفِّ عَن الْمَعَاصِيَ، وَاخْتِيَارِ الطَّاعَاتِ، فَلا يُعَدُّ خَائِفًا مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلذُّنُوبِ تَارِكًا. قَالَ شَيخُ الإسْلامِ ابنُ تَيمَيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: الخوفُ الْمَحْمُودُ: مَا حَجَزَكَ عَنْ مَحَارمِ اللهِ. قَالَ اللهُ تَعَالى:(وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ».
عِبَادَ اللهِ: وَكُلَّمَا كَانَ العبْدُ أَقْرَبَ لِرَبِّهِ، كَانَ أَشَدَّ خَشْيَةً لَهُ! فَالْمَلائِكَةُ الْكِرَامُ: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). وَالأَنْبِياءُ عَليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وَصَفَهُمُ اللهُ بِأَنَّهُمْ: (يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).وَأَثْنى اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَقَالَ:(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).فَالَّلهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْبُدُكُ بِالْغَيبِ والشَّهَادَةِ خَوفاً وَطَمَعاً, وَرَغَبَاً وَرَهَبَاً وَأَخْلَصَ لَكَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ في يَارَبَّ الْعَالَمِينَ. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي وَلَكُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍّ فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية/
الحمدُ للهِ يَهْدِي مَن يشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ, أشهدُ ألا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ, وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ, وَأشهدُ أنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عبدُ اللهِ وَرسولُهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ, صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عليه وعلى آلِهِ وأَصحَابهِ والتَابِعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ الْدِّينِ. أمَّا بعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: واعلَمُوا أنَّ الإيمانَ ليسَ بِالتَمنِّي ولا بِالتَّحلِّي، وَلكنَّ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ.
عِبَادَ اللهِ: احْمَدُوا اللهَ على مَا قَدَّمْتُمْ مِنْ طَاعَاتٍ, وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّنَا, فَرَبُّنَا كَرِيمٌ عَفُوُّ شَكُورٌ. فَلْتَتَعَلَّقُ قُلُوبُنَا بِاللهِ، وَلْتَسْتَبْشِرْ بِجُودِه وفَضْلِه، فَهَذَا هُوَ الرَّجاءُ الْمَطْلُوبُ. وَتَذَكَّرُوا قَولَ اللهِ تَعَالىَ: (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ). وَاحْذَرُوا مِن التَّمنِّيَ الْكَاذِبِ فَإنَّهُ يُورِثُ الكَسَلَ عَنْ الْطَّاعَةِ. فَمَنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ أَحْسَنَ العَمَلَ. قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَثْرَةُ الْأَمَانِيِّ مِنْ غَرُورِ الشَّيْطَانِ.
عِبَادَ اللهِ: لِرَجَاءِ مَا عِنْدَ اللهِ ثَمرَاتٌ مِنْ أَهَمِّهَا: الْمُواظَبَةُ على العِبَادَاتِ، وَالتَّلذُّذُ بها. وَالتَّوبَةُ مِنَ الْمَعَاصِيَ. وَمِنْ ثَمَرَاتِ الرَّجَاءِ كَثْرَةُ دُعَاءِ اللهِ بِقَبُولِ عِبَادَاتِكَ، فَ:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). ومن ثمراتِهِ: أَنَّ الْرَّاجِيَ للهِ يَتَعرَّفُ على جُمْلَةٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنى، فَيَدْعُوهُ بِهَا. فهو مُتَعلِّقٌ باسْمِ الرَّحيم؛ يَرْجُو رَحْمَتَهُ، وباسْمِ التَّوَّاب؛ يَرْجُو مِنْهُ التَّوبَةَ، ومُتَعلِّقٌ باسْمِ الغَفُور؛ يَرْجُو مَغْفِرَتَهُ.
عِبَادَ اللهِ: الْمُسلِمُ الْنَّاجِي مَنْ يَجْمَعُ في عِبَادَاتِهِ بَينَ الخَوفِ والرَّجاء، فَتَأَمَّلْ مَنْهَجَ القُرْآنِ: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ). وَقَولَهُ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). وَقَولَهُ تَعَالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ). ومِنَ وَصَايَا نَبِيَّنَا صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثٍ يَقُولُ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» رواه مسلم. فَالْحَمْدُ للهِ على مَا يَسَّرَ لَنَا وَهَدَانَا لِعَمَلِ الصَّالِحَاتِ: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ). فَاللهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنَ عَافَيْتَ، وتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ, اللهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، ثَبِّتْننَا بِهِ حَتَّى نَلْقَاكَ. اللهُمَّ اجْعَلْنَا مِن عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، اللهم زيِّنا بزينة التقوى والإيمان, فاللهم حَبِّبْ إلينَا الإيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا, وَكَرِّه إلينَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ والعِصْيانَ واجْعَلْنا مِن الرَّاشِدِينَ. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِكَ وَرسُولِكَ مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِه أجمعين. اللهم ارزقنا إتِّبَاعَهُ ظَاهِرَاً وَبَاطِنَا, اللهم وفق وُلاةَ أُمُورِ الْمُسْلِمينَ عَامَّةً, وَولاةَ أُمُورِنَا خَاصَّةً لِمَا تحبُّ وترضى وأعنهم على البرِّ والتقوى واجعلهم هداةً مهتدينَ ياربَّ العالَمِينَ. وَاجْزِهِمْ خَيراً عَلى خِدْمَةٍ الإسْلامِ والْمُسلِمِينَ, وانصُرْ واحفظ جُنُودَنا وَحُدُودَنَا. اللهم أهْلِكْ الظَّالِمِينَ بِالظَّالِمِينَ وَأَخْرِجْ الْمسْلِمِينَ مِنْ بَينِهِمْ سَالِمينَ. عبادَ اللهِ: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 0  0  14
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:54 مساءً الأربعاء 6 شوال 1447 / 25 مارس 2026.