وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ 11/1/1448هـ
الحمدُ للهِ الذي خَلقَ فَسَوَّى، خَلَقَ الزَّوجينِ الذَّكرَ والأُنثى مِن نُطفةٍ إذا تُمنى، أَشهدُ أن لا إله إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، العليُّ الأعلى، وأَشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ أَقامَ الأُسْرَةَ على الْمَوَدَّةِ والتَّقوى، اللهمَّ صَلِّ وسلِّم وبَارِك عليه وآلِهِ وَصَحَابَتِهِ والتَّابعينَ وَمَنْ تَبِعهُم بِإحْسَانٍ. أمَّا بعدُ. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً).
أيُّهَا الزَّوجَانِ الكَرِيمَانِ: اعْلَمُوا أنَّ البيتَ الذي سَكَنتُمُوهُ نِعمةٌ من اللهِ وحدَهُ! فقد تَفَضَّلَ اللهُ بِهِ علينا فقالَ: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا). إي واللهِ إنَّ بُيُوتَنا لَنعمةٌ! نَأْوي إِليها، وَنَستَتِرُ فِيها، سواءٌ كانَتْ مُلكَاً أو مُؤجَّرَةً! فَهُنَاكَ أُنَاسٌ لا يَجِدونَ ثَمَنَ ما يَسْتَأْجِرُونَ بهِ! فاحْمَدُوا اللهَ عَليهَا ليلاً ونَهَارا، وَاسْعَوا لِما يُصلِحُها ويُقِيمُها ويُطمئِنُها، فإذا ما استَقَامَ الزَّوجَانِ على دِينِ اللهِ، وتزيَّنا بِتَقوى اللهِ وَطَاعَتِهِ، غَدا البيتُ مَأوى النَّورِ وَالفضيلةِ، وَمَوطِنَ بِنَاءٍ لِجِيلٍ صَالِحٍ، ومجتمعٍ كريم.
عِبَادَ اللهِ: لقد بَيَّنَ اللهُ في كتابِهِ الكَرِيمِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في سُنَّتِهِ حقَّ كُلِّ واحدٍ من الزَّوجَينِ على الآخَرِ. فَاللهُ تَعَالى يَقُولُ:(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً).ومحمدٌ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَيرُ أسوةٌ يَقُولُ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُم لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي". وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "أَكْمَلُ الْمُؤمِنِينَ إيماناً أَحْسَنُهُم خُلُقاً، وخيارُكُم خيارُكم لِنَسِائِهِم».
ولْنَعلَمْ يا كرامُ: أنَّهُ في كلِّ بيتٍ عِتَابٌ وَمَوَدَّةٌ، وَسَخَطٌ وَرِضَا، والرَّجُلُ العاقِلُ يَعفُوا عن الخَطأِ، ويَنسى الزَّلَلَ وَمَا مَضَى، لأنَّهُ مُدرِكٌ أنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ أعوجٍ، فبالصَّبرِ عليها تَستقيمُ الأمورُ، وتَحسُنُ الْمَعِيشَةُ، فَالصَّادِقُ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: «فاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرَاً، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي اَلضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرَاً ".
أيُّهَا الزَّوجانِ الكريمانِ: بَيتُكُمَا قَلْعَةٌ. وكِلاكُمَا حَارِسٌ لَهُ، وَمَسئُولٌ عنه: «فَكُلُّكم رَاعٍ وَمَسئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرأَةُ في بَيتِ زَوجِها رَاعِيَةٌ وهيَ مَسئُولَةٌ عن رَعِيَّتِها».
عِبَادَ اللهِ: أُنْسُ البَيتِ وَسَعادَتُهُ، تَكُونُ بِذكْرِ اللهِ تَعالَى، فعن أَبِي مُوسى الأشْعَريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ :«مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ». وَقَال: «اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» رواهَا الإمَامُ مُسلِمٌ.
فإذا خَلَتِ البُيوتُ من الصَّلاةِ والذِّكرِ والقُرآنِ غَدَت مَرتَعاً لِلشَّياطِينِ! وَمَوطِنَا للنِّزَعاتِ! فَتَذَكَّرُوا حَدِيثَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حينَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ »رواهُ مُسلِمٌ.
عِبَادَ اللهِ: مِنْ سِمَاتِ البيتِ الآمِنِ: تَعاونُ أَفْرَادِهِ على الطَّاعَةِ، فَضَعْفُ إيمَانِ الزَّوجِ تُقوِّيهِ الزَّوجَةُ، واعوجاجُ سُلُوكِ الزَّوجةِ يُقوِّمُهُ الزَّوجُ، تَكَامُلٌ وَتَعَاضُدُ، وتَنَاصُحٌ وتَنَاصُرٌ، ف: « رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِى وَجْهِهَا الْمَاءَ, ورَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِى وَجْهِهِ الْمَاءَ ». حَدِيثٌ حسن صحيح.
عِبَادَ اللهِ: وَمِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ البَيتِ الآمِنِ: أَنَّ أَسْرَارَهُ مَحفُوظَةٌ، وخِلافَاتَهُ مَستُورةٌ، مَهْمَا كانَ حَجمُها! أَلا تَعْلَمُونَ أَنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنزِلَةً عندَ اللهِ يومَ القِيامَةِ؟ مَنْ ذَكَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» رواهُ مُسلِمٌ. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحَمدُ لِلهِ جَعَلَ لَنَا مِّنْ أَنفُسِنَا أَزْوَاجًا وَجَعَلَ بَينَنَا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، أَشْهَدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ الرَّحمَةُ الْمُهدَاةُ، صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عليهِ، وعلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْهُدَاةِ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإحْسَانٍ إلى يومِ النَّجَاةِ. أمَّا بعدُ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
أَيُّهَا الكِرَامُ: لَو قِيلَ لَك تَمَنَّى؟ لَقُلْتَ: أنْ أَعِيشَ في بَيتٍ سَعيدٍ مع امرَأَةٍ صَالِحَةٍ إذا نَظَرتُ إليها سَرَّتْنِي وَإذَا أَمَرْتُها أَطَاعَتني. فهل يُمكِنُ أنْ تَتَحقَّقَ لكَ هذهِ الأَمانيُّ ؟ نَعَمْ وَأَكْثَرُ وَاَكثَرُ! متى ما عَرَفَ كُلٌّ من الزَّوجينِ حُقُوقَهُ وحُدُودَهُ، وَمَتى مَا رُزِقْنَا القنَاعَةَ والرِّضَى، وتَركْنَا الْمُقَارَنَاتِ الكاذِبَةِ، عَبْرَ الْمَشَاهِيرِ الخادِعَةِ! وَبِأَنْ يَنظُرَ كلٌّ من الزَّوجينِ إلى أنَّ الزِّواجَ عبادَةٌ يتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى. القائِلِ: (مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَواةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
والزَّوجُ العاقِلُ: كرُيمٌ أَصلُهُ، يَعرِفُ قَدرَ زوجَتِهِ، التي هي حَامِلَةُ أَولادِهِ، وَرَاعِيَةُ أَمْوَالِهِ، وَحَافِظَةُ أَسْرَارِهِ. فيَخفِضُ الجَنَاحَ مَعَهَا، ويُظهرُ البَشَاشَةَ لَها.
أَيُّهَا الزَّوجُ العَاقِلُ: إيَّاكَ والتَّكَبُّرَ والغُرُورَ عليها، مَهمَا عَلا شَأنُكَ! وارتَفَعَ قَدرُكَ! وَكَثُرَ مَالُكَ وَحَلالُكَ. فَقَد قَالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "ينبغي لِلرَّجُلِ أنْ يَكونَ في أَهلِهِ كالصَّبِيِّ-يعني في الأُنسِ والسُّهولَةِ- فإنْ كانَ في القَومِ كانَ رَجُلاً ".
أَيُّهَا العَاقِلُ: كُن زَوجَاً مُستَقِيمَاً فلا تمُدَّنَّ عَينَيكَ إلى ما لا يحلُّ لكَ، فالْمَعْصِيَةُ شؤمُ البيتِ، وَمُشَاهَدَةُ الفَضَائِيَّاتِ والْمَقَاطِعِ يُقَبِّحُ جَمَالَ زَوجَتِكَ في عَينَيكَ، ويُنَقِّصُ من قَدْرِها لَدَيكَ. وفي وقتِنا الْمُعاصِرِ هذهِ أمُّ الْمَشَاكِلِ والْمَهَالِكِ! قَالَ أَحَدُ السَّلفِ: إنِّي أَجِدُ شُؤمَ مَعصِيتِي في دَابَّتي وَأَهْلِي!
وَأحسِن إليها بالنَّفَقَةِ بِالْمَعرُوفِ ولا تَبخَلْ عَليها: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).
واعلموا عبادَ اللهِ: أنَّ عقدَ الزَّوجِيَّةِ أَكْبَرُ مِن التَّصرُّفَاتِ الهَوجَاءِ، فلا يَليقُ أنْ يَتَخَلَّى الزَّوجُ عن زَوجَتِهِ لِمُجَرَّدِ خُلُقٍ كَرِهَهُ أو مُشكِلَةٍ طَرَأَت عليهِمَا، خاصَّةً عندَ تَقَدُّمِ السِّنِّ بِهما، وطُولِ العِشرَةِ بَينَهُما، فَلِكُلِّ مُشكِلَةٍ حلٌّ، ولِكُلِّ مُعضِلَةٍ دَواءٌ، تَجِدُ ذلِكَ عندَ أُنَاسٍ نَذَروا أَنْفُسَهُم للإصْلاحِ الأُسَرِيِّ، عبرَ الجمعيَّاتِ الخيريَّةِ، والْمكاتِبِ الاستشاريَّةِ، فإنْ كانَ الزَّوجَانِ صَادِقينِ فقد تَكَفَّلَ اللهُ تَعَالى فَقالَ: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا). وَأَوصَانَا رَسُولُنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لا يَفْرَكْ مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً إنْ كَرِهَ منها خُلُقاً رَضِيَ مِنها آخَرَ». رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. اللهم إنا نعوذ بك من الهمِّ والحزن، اللهمَّ اهدِنا لأحسن الأقوالِ والأعمالِ والأخلاقِ واصرفْ عَنَّا سَيِّئَهَا ياربَّ العالَمينَ. اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ والْمسلمين في كلِّ مكانٍ . اللهم وعليك بأعداء الدِّينِ، الذينَ يُفسِدونَ في الأرضِ ولا يُصلِحونَ. اللهمَّ وفِّق ولاةَ أمورنا لِمَا تحبُّ وترضى وأعنهُم على البِرِّ والتقوى, وَاجْزِهِمْ خَيرًا عَلى خِدْمَةِ الإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ. اللهم احمِ حُدُودَنا وانْصُر جُنودَنا وبلادَ الْمسلمينَ. اللهم اغفر لنا ولوالدِينا والْمسلمينَ أجمعينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).



