شَجَرَةٌ كَالْمُسْلِمِ 24/2/1448هـ
الحـمدُ للهِ دَائِمِ الفَضلِ والإحـسَانِ، أَشـهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحـدَهُ لا شَـريكَ لَهُ، الْكَرِيمُ الاْمَنَّانُ، وأَشـهَدُ أنَّ نَبِيَّنا مُحمَّدَا عبدُ اللهِ وَرَسُـولُهُ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحـمُودِ، والحَوضِ الْمَورودِ، الَّلهمَّ صَلِّ وَسَـلِّم وَبَارِك عَليه، وعَلى آلِهِ وأَصحـَابِهِ والتَّابِعـينَ لَهم بِإحـسَانٍ إلى اليَومِ الْمَشْهُودٍ. أَمَّا بَعْدُ. مَعَاشِرَ الْمُؤمِنِينَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَرَاقِبُوهُ، واعْلَمُوا أنَّ عَاقِبَةَ التَّقوى رَشِيدَةٌ، وَنِهَايَةُ أَهلِهَا حَمِيدَةٌ، واشْكُرُوهُ على مَا أَولاكُم وَحَبَاكُمْ مِنْ نِعَمٍ عَدِيْدَةٍ، فَقَدْ تَأَذَّنْ لِمَنْ شَكَرَ أنْ يَزِيدَهُ فَقَالَ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (.
عِبَادَ اللهِ: لِنَتَأَمَّلَ مَا نَعِيشُهُ الآنَ فِي مَوسِمِ خَرَافِ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ بِأَصْنَافِهِ مِنْ النَّخِيلِ، فَقَدْ قَالَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ*رِزْقًا لِلْعِبَادِ). قالَ الشَّيخُ السَّعدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أنْبَتَ اللهُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ماَ تُعْجِبُ مُبْصِرَهَا، وَخَصَّ مِنْهَا النَّخَلَ البَاسِقَاتِ الطِّوَالِ، التَي يَطُولُ نَفْعُها، فَتُخْرِجُ الطَّلْعَ النَّضِيدَ، الْمُتَرَاكِبَ الْمُتَرَاكِمَ الْمَنْضُودَ بَعضُهُ على بَعْضٍ فِي أَكْمَامِهِ وَقِنْوَانِهِ، مَا هُو رِزْقٌ لِلعِبَادِ، قُوتًا وَفَاكِهَةً، يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَدَّخِرُونَ.
اللهُ أَكْبَرُ عِبَادَ اللهِ: إي واللهِ إنَّنا لَفِي نِعمٍ عَظِيمَةٍ تَستَوجِبُ شُكرَ الْمُنعِمِ سُبحَانَهُ، فَإنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». إنَّهُ يَأْخُذُنَا العَجَبُ وَنَحنُ نَرَى الأَصْنَافَ وَالأَلْوَانَ وَاخْتِلافَ الْمَذَاقَاتِ وَتِلْكَ الكَمِّيَّاتِ! فَلْنَتَذَكَّرْ قَولَ البَدِيعِ: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَـعٌ مُتَجَـاوِرَاتٌ وَجَـنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِـيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). سُبْحَانَ اللهِ: أرَاضٍ مُتَجَاوِرَةٍ هَذِهِ طَيِّبَةٌ تُنبِتُ بِإذْنِ اللهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، وَتِلْكَ سَبَخَةٌ وأُخرى مَالِحَةٌ لا تُنْبِتُ شَيئَاً. والأَرْضُ التي تُنبِتُ الأَشْجَارَ أنواعٌ فيها مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ! والنَّخِيلُ بَعضُها صِنْوَانٌ أَيْ: عِدَّةُ نَخَلاتٍ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ نَخَلاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ كُلُّ شَجَرَةٍ على حِدَتِهَا، وسُبحانَ اللهِ كُلُّهَا تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَأَرْضُهُ وَاحِدَةُ وَجَوُّهُ واحِدٌ وَقَد فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الثَّمَرِ وَالطَّعْمِ. والَّلونِ والنَّفْعِ، والَّلذَّةِ والشَّكْلِ! حَقَّا: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ لَهُم عُقُولٌ تَهدِيهم إلى مَا يَنفَعُهم مِنْ إتِّباعِ وَصَايَا اللهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، أَمَّا أَهْلُ الإعْرَاضِ، وَالبَلادَةِ فَهُم فِي ظُلُمَاتِهِم يَعمَهُونَ، لا يَهتَدُونَ إِلى رَبِّهم سَبِيلا ولا يَعُونَ لَهُ قِيلاً.
عبَادَ اللهِ: ولِعَظِيمِ شَأنِ النَّخلَةِ فَقَد ضَرَبَ اللهُ تَعالى بِها مَثَلاً بالإيمَانِ وَشَهَادَةِ أنْ لا إلهِ إلَّا اللهَ فَقَالَ عَزَّ مِن قَائِلٍ حَكَيمَا: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) جَلَس نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَومًا مَعَ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ جَلسَةَ مُؤَانَسَةٍ؛ إذْ أُتِيَ بِجُمَّارَ نَخْلٍ فَجَعَلَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْكُلُ مِنْهُ! وَالجُمَّارُ هُوَ قَلْبُ النَّخْلَةِ. فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أنْ يَخْتَبِرَ أصْحَابَهُ فَقَالَ: "أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلاَ تَحُتُّ وَرَقَهَا، بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ؟". فَوَقَعَ الصَّحَابَةُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي! وَرَسُولُ اللهِ يَقُولُ لا لا فَلَمَّا لَمْ يُجِبِ القَومُ قالَ:(هِيَ النَّخْلَةُ).
اللهُ أَكْبَرُ: كُلُّ هَذِهِ الأوصَافِ الجَميلَةِ فِيكَ أيُّها الْمُؤمِنُ! فَمَا أَوَجُهُ التَّشَابُهِ بَينَنَا؟ تَعْرِفُونَهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالى، فَالَّلهُمَّ اجْعَلنا مُبارَكينَ أينَما كُنَّا ياربَّ العَالَمينَ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولَكُم ولِسَائِرِ الْمُسلمينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍّ فَاسْتَغْفِرُوهُ وتُوبوا إليهِ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحيمٌ.
الخطبة الثانية:
الحَمَدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، أَشـهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحـدَهُ لا شَـريكَ لَهُ، الخَلاَّقُ العَلِيمُ، وأَشـهَدُ أنَّ نَبِيَّا مُحمَّدَا عبدُ اللهِ وَرَسُـولُهُ، الصَّادِقُ البَرُّ الأَمِينُ، صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَاركَ عليهِ وعلى آلِهِ وَأصحَابِهِ وأتباعِهِ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّينِ. أمَّا بَعدُ فاتَّقوا اللهَ يَا مُؤمِنونَ حَقَّ التَّقوى واشكروهُ على نِعمٍ ظَاهِرةٍ وباطِنَةٍ، ومَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وَأَبْقَى.
عِبَادَ اللهِ: مِنْ أَوْجُهِ الشَّبَهِ بَينَ الْمُؤمِنِ والنَّخلَةِ: الثَّبَاتُ والاسْتِقَامَةُ فاَلنَّخْلَةُ ثَابِتَةٌ فِي أَصلِهَا، كَمَا الْمُؤمِنُ، يَطُولُ عُمُرُهُ وَيَحْسُنُ عَمَلُهُ! تُحيطُ بِهِ الفِتَنُ والشَّهَواتُ، فَيَزْدَادُ تَمَسُكَاً بِدِينِهِ، وَصَدَقُ اللهُ: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ). وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَ بِ:" يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ".
عِبَادَ اللهِ: مِنْ أَوْجُهِ الشَّبَهِ: البَقَاءُ على الهَيئَةِ؛ كَمَا أنَّ النَّخْلَةَ لاَ تَحُتُّ وَرَقَهَا صَيفًا وَلا شِتَاءً فَهِي بِكَامِلِ زِيْنَتِهَا. فَكَذَلِكَ الْمُؤمِنُ لَيسَ لَهُ وَجْهَانَ: وَجْهُ أمَامَ النَّاسِ طَاعَةٌ وَتَبَتُّلٌ! وَوَجْهٌ قَبِيحٌ إذا خَلا بِمَحارِمِ اللهِ وَلَغَ فِيهَا! لأنَّهُ يَحْذَرُ قَولَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ». فاللهم ثَبِّتنَا على دِينِكَ وعلى صِرَاطَكَ الْمُستَقيمَ.
أيُّها الْمُؤمِنُونَ: قَلْبُ الْمُؤمِنِ أَبيضٌ صَافٍ، كَجُمَّارِ النَّخلَةِ أَبيَضٌ حُلْوٌ لا يَحمِلُ غِلاًّ ولا حِقدَاً على إِخْوَانِهِ، إنْ رَأَى عِندَهُمْ خَيراً فَرِحَ لَهمْ وَبَارَكَ لَهُم، وَإنْ أَتَاهُمْ مَا يَسُوؤُهُم؛ حَزِنَ لِحُزْنِهِم، على لِسَانِهِ دَومًا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا).
عبادَ اللهِ: النَّخْلَةُ فُرُوعُها مُمْتَدَّةٌ فِي السَّمَاءِ وَهَكَذا الْمُؤمِنُ لَهُ أعمَالٌ مُتَنَوِّعَةٌ، نَفعُها وَخَيرُهَا يَصِلُ إلى كُلِّ النَّاسِ، فَهُوَ مُبَارَكٌ عَلى نَفْسِهِ وَغَيرِهِ، مُعِينٌ لِإخوَانِهِ سَاعٍ لِمَصَالِحِهِم، يَتَصَدَّقُ عَلى هَذا، وَيُقرِضُ ذَاكَ، يَبْذُلُ جَاهَهُ لِنَفْعِ إخوانِهِ مُتَمَثِّلاً قَولَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا».
النَّخْلَةُ مَأْمُونَةُ الجَانِبِ! وَهَكَذَا الْمُؤمِنُ لا يَأْتِيكَ مِنهُ إلا الطَّيِّبُ. أَخلاقٌ فَاضِلَةٌ ومُعَامَلاتٌ كَرِيمَةٌ وآدَابٌ حَسَنَةٌ وَكَمَا قَالَ نَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: (والْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَدِمَائِهِمْ).
أيُّها الكِرامُ: النَّخْلَةُ تَحتَاجُ إلى مَاءٍ يَسْقِيَهَا، وَهَكَذا الْمُؤمِنُ حَيَاتُهُ بِإِيمَانِهِ وَبِقُرْآنِهِ وإتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ كَمَا قَالَ رَبُّنا تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ).
النَّخْلُ لَيسَ على رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ بَينَهَا تَفَاضُلٌ كَبِيرٌ! وَهَكَذا أَهْلُ الإيْمَانِ لَيسُوا على دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ). وَقَدَ قَالَ نَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:" لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ، وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ".
النَّخْلَةُ كُلُّها نَافِعَةٌ وَمُفِيدَةٌ جِذْعُهَا وَلِيفُهَا وأجزَاؤها، وَهَكَذا الْمُؤْمِنُ: (كَحَامِلِ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً).
مِنْ بَرَكَةِ النَّخلِ تَعَلَّمنا عَدَداً من القَواعِدِ والأحكَامِ الفِقهِيَّةِ فلا يُباعُ ثَمَرٌ حتى يَبدوَ صَلاحُهُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ في بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ وأنَّ هذا عَينُ الرِّبا، كَما تَعَلَّمْنَا مِنْهُ تَحريمَ الغِشِّ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَي يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى». وهذا تَحذيرٌ لِلباعَةِ! ومع الأسَفِ كَثُرَ الغِشُّ في بَيْعِ التَّمرِ خاصَّةً مَعَ تَولِّي عَددٍ مِن العَمَالَةِ زِمامَ الأُمُورِ. وجَزى اللهُ الإخوةَ الْمُنَظِّمينَ لِلسُّوقِ والدَّلَّالِينَ فَليسَ عِنْدَهُم تَهاونٌ في ذلِكَ. يَا أهلَ النَّخِيلِ والْمَزَارعِ والاستِرَاحَاتِ يَقُولُ اللهُ تَعالى: (وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ). وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ اَلتَّمْرَ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا وَجَبَتْ فِيهِ اَلزَّكَاةُ، وَنِصَابَ اَلتَّمْرِ بَيَّنَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِه وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «ليسَ فِيما أَقَلُّ مِن خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». وَهُوَ بِالْحِسَابِ اَلْمُعَاصِرِ تَقْرِيبًا سِتُّ مِائَةِ كِيلُو. فَإنْ كَانَ يُسْقَى بِكُلْفَةِ فَالوَاجِبُ فِيهَا نِصْفُ اَلْعُشْرِ وَهُوَ 5 % مِنْ نَاتِجٍ هَذِهِ اَلنَّخِيلِ كَمَا قَالَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيمَا سَقَتِ اَلسَّمَاءُ اَلْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ اَلْعُشْرِ».
مِنْ بَرَكَاتٍ الْنَّخْلِ أَنْ صَارَتْ مَصْدَرًا لِتَكَسُّبِ الْشَّبَابِ وَعَمَلِهِمْ وَرِزْقِهِمْ، فَشَجِّعُوهُمْ عَلى الْعَمَلِ وَتَرْكِ الْكَسَلِ. وَقَدْ سُئِلَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: (عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ). فَالَّلهُمَّ اجعلنا لِنِعَمِكَ مِن الشَّاكِرينَ ولكَ مِنْ الذاكِرينَ الْمُتَفَكِّرينَ، اللهمَّ اهدِنا لأحسن الأقوالِ والأعمالِ والأخلاقِ واصرفْ عَنَّا سَيِّئَهَا ياربَّ العالَمينَ. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. الَّلهُمَّ أَعزَّ الإسْلامَ والْمُسلمِينَ فِي كُلِّ مَكانٍ وأذلَّ الكُفرَ والكافِرينَ ودمِّر أعداءَ الدِّينَ واجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا مُطمئنَّاً وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ، الَّلهُمَّ وفِّقْ ولاةَ الْمسلمينَ عَامَّةً لِما تُحِبُّ وَتَرْضَى وَأَعِنْهُم على البِرِّ وَالتَّقوى. وَاهْدِهِمْ وَيَسِّر الْهُدَى لَهُمْ. الَّلهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمِينِ الْشَّرِيفَينِ الْمَلِكِ سَلْمَانِ بنِ عَبدِ العِزِيزِ وَوَلِيِّ عَهْدِهِ الأَمِينِ مُحَمَّدِ بنِ سَلْمَانِ وَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضى وأَعِنْهُم على البِرِّ وَالتَّقْوَى. وَاجْزِهِمْ خَيرًا على خِدْمَةِ الإسْلامِ والْمسْلِمين. وَانصُرْ جُنُودَنا وَاحْفَظْ حُدُودَنَا. الَّلهُمَّ تَقَبَّلْ شُهَدَاءَنَا بالصَّالِحِينَ. وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).



